فصل: مسألة وصية لقمان لابنه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة ما وصف به شعيب النبي عليه السلام:

فيما وصف به شعيب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال مالك وذكر الأنبياء فقال: شعيب خطيب القوم أو قال خطيب الأنبياء.
قال محمد بن رشد: هذا مروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قاله فيه، لحسن مراجعته لقومه وبيانه لهم ووعظه إياهم، وذلك بين مما قصه الله عز وجل علينا من أمره لقوله في سورة الأعراف: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} [الأعراف: 85] الآيات إلى قوله: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: 93] ومما قصه تعالى علينا على أمره بقوله في سورة هود: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84] الآيات إلى قوله: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [هود: 93] الآية، وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة القصص:

في كراهة القصص قال: وسئل عن الجلوس إلى القصاص فقال: ما أرى أن يجلس إليهم وإن القصص لبدعة.
قال محمد بن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ، روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معي فتى من طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلا إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماطي أصحاب السفط وهو قائم يحدثهم ولقد لهوا عنه والصبيان يحصبونه ويقولون له أسكت يا جاهل، فوقفت متعجبا لما رأيت، فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله.
قال يحيى: وسمعت مالكا يكره القصص، فقيل له يا أبا محمد فإذ تكره مثل هذا، فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم، وبالله التوفيق.

.مسألة إطلاء الجنب:

في إطلاء الجنب وسئل مالك أيطلي الجنب؟ فقال: نعم وإن وجه النورة لوجه النقاء والطهور.
قال محمد بن رشد: المعنى في ذلك بين لا وجه للكراهة فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة قول أهل النار سواء علينا أجزعنا أم صبرنا:

في قول أهل النار: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21] قال: وسمعته يتلو هذه الآية: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] ثم قال: زعم زيد بن أسلم أنهم صبروا مائة عام ثم بكوا مائة عام ثم قالوا: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] قال محمد بن رشد: قول زيد بن أسلم لا يكون إلا عن توقيف من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ لا مدخل في ذلك للرأي، وفي التلاوة بإثر ذلك: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} [إبراهيم: 22] أي لما حق العذاب على الكافرين، {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]. جاء في التفسير أن إبليس يقوم بهذا الكلام خطيبا بإذن الله وبئس الخطيب، إذا فصل بالقضاء أهل الجنة من أهل النار توبيخا لأهل النار.
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رواية عقبة بن عامر الجهني أنه قال: «إذا بعث الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا إلى ربنا؟ قال: انطلقوا بنا إلى آدم فإنه أبونا وخلقه الله بيده وكلمه، فيأتونه أن يشفع لهم فيقول آدم عليكم بنوح فيأتون نوحا فيدلهم على إبراهيم ثم يأتون إبراهيم فيدلهم على موسى ثم يأتون موسى فيدلهم على عيسى، ثم يأتون عيسى فيقول هل أدلكم على النبي الأمي، فيأتون فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيفور ريح مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى أتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظهر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أتت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيفور ريح مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم جهنم، ثم يقول عند ذلك:
{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] الآية»
وبالله التوفيق.

.مسألة حلق القفا ووسط الرأس للمحاجم:

في حلق القفا ووسط الرأس للمحاجم قال وسألته عن الذين يحتجمون فيحلقون مواضع المحاجم في القفا ووسط الرأس، فقال: لا أحبه، وإني لأكرهه، وما فعلته قط ولا هممت، ولقد سمعت من يقول هذا من فعل النصارى. قلت له: كيف أصنع؟ قال احتجم بالحطمى.
قال محمد بن رشد: كره حلق موضع المحاجم من وسط الرأس ومن القفا لما جاء من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نهى عن القزع» وهو حلق بعض الرأس دون بعض، فعم ولم يخص حالا من حال، ولما فيه من التشبه بالنصارى، وبالله التوفيق.

.مسألة المعتم لا يجعل تحت ذقنه منها شيئا:

في المعتم لا يجعل تحت ذقنه منها شيئا وسئل مالك عن المعتم لا يجعل تحت ذقنه منها شيئا فكرهه.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك مالك لمخالفة فعل السلف فيه.
قال ابن حبيب في الواضحة: ولا بأس أن يصلي الرجل في داره وبيته بالعمامة يلفها ولا يلتحي بها، فأما في الجماعات والمساجد فلا ينبغي ترك الالتحاء بها فإنه يقال إنها من بقايا عمل قوم لوط، وبالله التوفيق.
في المعانقة والمصافحة وتقبيل الرجل ابنته وأخته عند القدوم من سفر وسئل مالك عن الذي يقدم من سفر فتتلقاه ابنته فتقبله، قال: لا بأس بذلك، وقيل له فأخته وأهل بيته؟ قال: لا بأس به، قلت له: لا بأس بذلك كله يا أبا عبد الله؟ قال لي: نعم، إنما هي على وجه الرحمة ليس قبل لذة.
قال: وسئل عن تعانق الرجلين إذا قدم من سفر. قال: ما هذا من عمل الناس. قيل له فالمصافحة؟ فكرهها وقال هي أخف. قال: وسئل عن معانقة الرجل أخته إذا قدم من سفر، قال ما هذا من عمل الناس. قال: وسئل مالك عن معانقة الرجلين أحدهما صاحبه إذا التقيا أترى بها بأسا؟ قال: نعم. قيل له فالمصافحة؟ قال ما كان ذلك من أمر الناس وهو أيسر. قال: وسمعته يقول إنما أفسد على الناس تأويل ما لا يعلمون.
قال محمد بن رشد: أجاز للذي يقدم من سفر أن تتلقاه ابنته أو أخته فتقبله ولم ير بذلك بأسا لأن ذلك على سبيل الرحمة لا يراد به لذة ولا ينقض الوضوء على ما قاله في أول سماع أشهب من كتاب الوضوء، وقال في أهل بيته مثل ذلك، ومعناه في ذوي المحارم منهن، لأن أهل بيت الرجل هم المنتسبون إلى من يتنسب إليه ذلك الرجل من رجل أو امرأة، فمنهم بنات الأعمام وهن كالأجنبيات في أنه لا يجوز تقبيلهن على وجه الرحمة. وكره في هذه الرواية المصافحة والمعانقة إلا أنه رأى المصافحة أخف من المعانقة، وهي رواية ابن وهب عنه، والمشهور عن مالك إجازة المصافحة واستحبابها فهو الذي يدل عليه مذهبه في الموطأ بإدخاله فيه عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» والآثار فيها كثيرة منها حديث البراء قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من مُسْلِمَيْنِ يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا». وإنما المعلوم من مذهب مالك كراهية المعانقة، ومن أهل العلم من أجازها، منهم ابن عيينة، ووجه كراهيتها أنها لم ترو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن السلف بعده، ولأنها مما تنفر عنها النفس في كل وقت، إذ لا تكون في الغالب إلا لوداع أو من طول اشتياق لغيبة أو مع الأهل أو ما أشبه ذلك. وتفارق المصافحة لوجود العمل بها. ووجه إجازتها اعتبارها بالمصافحة. وقد روي من حديث أبي ذر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصافحه فجاء مرة فالتزمه، وهذا يمكن أن يكون فعله مرة ولم يداوم عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة طرح القمل في النار:

في كراهة طرح القمل في النار قال: وسئل عن طرح القمل في النار، فقال: إن الرجل في السفر يشتغل حتى يتفلى بالليل على النار لا يجد من ذلك بدا، قال: لا وهذه مثلة وإني أكرهه. وقد نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلسعته نملة فقتل نملا كثيرا فأوحى الله إليه: أفلا نملة واحدة؟ قال مالك: فلله حق في عباده وفي بايت من هذه الدواب.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز طرح القمل في النار لأن ذلك تعذيب لها، وقد نهي عن تعذيب الحيوان، هذا معنى قوله وهذه مثلة، لأن المثلة تعذيب للدابة الممثل بها، وقد جاء النهي عنها. روي «عن سمرة بن جندب قال: ما خطبنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة ونهانا فيها عن المثلة». وقتل القمل بالنار تعذيب لها يوجب أن يدخل ذلك تحت النهي عن المثلة. وقد روي في بعض الآثار: «لا يعذب بالنار إلا رب النار» فما جاز قتله من الدواب، لإذايتها لم يجز قتله إلا بوجه القتل الذي لا مثلة فيه ولا عذاب.
وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» ووجه استدلال مالك فيما أوحى الله به إلى النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فيما قتل من النمل أن العتاب يكون في التعدي في صفة القتل كما يكون في التعدي في القتل، وبالله التوفيق.

.مسألة ما يبقى من الثمر في الثمار بعد الجذاذ:

فيما يبقى من الثمر في الثمار بعد الجذاذ، ومن السنبل في الفدان بعد الحصاد وسئل عن الثمار تجذ ثم يخلى عنها فيكون فيها الشيء المعلق. فقال: إن كان يعلم أن أنفسهم طيبة له بأخذه إياه فليأخذه. قال: وسئل عن الزرع يحصد فتبقى منه السنبل والشيء الذي يخلى عنه أهله أيأكله؟ فقال: لا يأكل إلا ما يعلم أنه حلال، وقد كان يقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال. وتحصيل القول في ذلك أنه إن علم أن صاحبه قد تركه لمن أخذه من غني أو فقير جاز له أن يأخذه غنيا كان أو فقيرا، وإن علم أن صاحبه قد تركه للمساكين لم يجز له أن يأخذه إلا أن يكون مسكينا. وإن لم يعلم هل تركه صاحبه على أن يعود إليه أو على إلا يعود إليه لم يحل له أن يقدم على أخذه دون أن يستأذنه، وإن غلب على ظنه أن صاحبه قد تركه لمن أخذه ولم يعلم ذلك يقينا فهذا يكره له أخذه ويقال له: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة المسافر هل له أن يصيب مما مر به من الثمار:

في المسافر هل له أن يصيب مما مر به من الثمار قال: وسئل الحسن أيجوز للمسافر أن يصيب من الثمار؟ قال: إن كان ضرورة وإلا فلا. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» ففي هذا بيان، وليس شيء من الأشياء أيسر من اللبن يحلب بكرة ويرجع عشية، والثمر لا يرجع حتى إلى عام قابل.
قال محمد بن رشد: وهذا معلوم من مذهب مالك أنه لا يجوز له أن يصيب من الثمار كما لا يجوز له أن يحلب من لبن الشاة إذا لم يضطر إلى ذلك، فإن اضطر أكل من الثمار ولم يأكل الميتة، ولا ينبغي أن يختلف في هذا، إذ من أهل العلم من يجيز له أن يأكل من الثمر من غير حاجة، وإنما اختلف إذا اضطر فوجد مالا لرجل غنما أو ضالة إبل ووجد الميتة، هل يأكل منها أو يأكل من الميتة؟ فقيل: إنه يأكل منها ولا يأكل من الميتة، وقيل: إنه يأكل من الميتة ولا يأكل منها. واختلف إن لم يجد الميتة وخشي على نفسه إن لم يأكل منها، فقيل إنه يأكل منها ما يرد به جوعه ولا غرم عليه فيه، وقيل: إنه لا يأكل منها إلا على سبيل السلف؛ فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: أحدها المساواة بينهما، والثاني: أن الأولى له إذا وجدهما أن يأكل الميتة، والثالث: أن الأولى إذا وجدهما أن يأكل المال، والرابع أن لا يأكل المال بحال إلا على سبيل السلف. وقد مضى بيان هذا في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

.مسألة يمر بجنان أبيه أو أمه أو أخيه هل يأكل من ثمره:

في الذي يمر بجنان أبيه أو أمه أو أخيه هل يأكل من ثمره؟ وكيف إن أطعمه حارسه؟ قال: وسئل عمن مر على جنان أبيه أو أمه أو أخيه أيأخذ منه ما يأكل؟ قال: لا يأكله إلا إن كانوا أذنوا له. قيل له: أرأيت إن أطعمني حارسه أو باعني؟ قال: إن كنت تعلم أنه قد أذن له فنعم، قيل له: فكيف نعلم ذلك؟ قال ذلك يختلف أن يقول له أصحاب الحوائط إلى جنبه حين يسألهم قد رأيناه يبيع ويصنع وتكون هيئة القيم شبه ذلك فذلك لا بأس به أن يشتري منه، وأما العبد الأسود الذي يستخفي فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة مجالسة القدرية والحجة عليهم:

في مجالسة القدرية والحجة عليهم وسألته عن مجالسة القدرية وكلامهم، فقال لي: لا تكلمهم ولا تقعد إليهم إلا أن تجلس إليهم تغلظ عليهم. قلت: إن لنا جيرانا لا أكلمهم ولا أخاصمهم، فقال: لا تجالسهم عادهم في الله، يقول الله عز وجل: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] فلا توادهم. قال مالك: ما أبين هذا في الرد على أهل القدر، {لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 110] وقَوْله تَعَالَى: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36] فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزال. قال: وسئل عن عيادة أهل القدر، قال: لا تعودوهم ولا تحدث عنهم الأحاديث.
قال محمد بن رشد: نَهْيُ مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في هذه الرواية عن أن يجالس أهل القدر أو يؤاخوا أو تحمل عنهم الأحاديث يدل على أنه لم يرهم كفارا بمآل قولهم الذي يعتقدونه ويدينون به، مثل قوله في هذا السماع من كتاب المحاربين والمرتدين: إنهم قوم سوء فلا يجالسون ولا يصلى وراءهم، خلاف قوله فيهم في أول سماع ابن القاسم منه. وقد مضى هنالك من القول فيهم ما فيه كفاية، والحجة عليهم فيما يعتقدونه بالآيتين المذكورتين بينة ظاهرة، لأن الله أعلم فيهما بما يكون من عباده وهم يقولون إنهم خالقون لأفعالهم فلا يعلم الله ما يفعلونه مما لا يفعلونه حتى يفعلوه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

.مسألة وصية لقمان لابنه:

في وصية لقمان لابنه قال: وقال مالك: كان لقمان الحكيم يقول لابنه: يَا بُنَيَّ لَا تُجَالِسِ الْفُجَّارَ وَلَا تُمَاشِهِمْ اتَّقِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ. يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْفُقَهَاءَ وَمَاشِهِمْ عَسَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ فَتُصِيبَكَ مَعَهُمْ.
قال محمد بن رشد: قد بين لقمان عَلَيْهِ السَّلَامُ لابنه في وصيته وجه ما أمره به ونهاه عنه، فمن الحظ لكل مسلم أن يلتزم وصيته ويحافظ عليها، وبالله التوفيق.

.مسألة مقالة عمر التي خطب بها في آخر العام الذي توفي فيه:

في مقالة عمر التي خطب بها في آخر العام الذي توفي فيه قال: وسمعته يحدث عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أقول لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ولعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعقلها ولم يعها فلا أحل له أن يكذب علي، فسألته أنا فرد الحديث علي.
قال محمد بن رشد: قوله قد قدر لي أن أقولها، معناه قد قضى الله بذلك في سابق علمه، فهو إيمان منه بالقدر، خلاف ما يذهب إليه القدرية مجوس هذه الأمة. وإنما قال: ولعلها بين يدي أجلي أي قرب أجلي، لأن كعبا قال له: والله لا ينسلخ ذو الحجة حتى يرحل، حكى ذلك الداودي.
وقوله فرد الحديث علي، معناه فأعاده علي. والحديث محفوظ عن ابن شهاب من رواية مالك، حدث به عنه عن عبد الله بن عمر، عن ابن عباس أنه كان يقرئ ابن عوف، قال ولم أر أحدا يجد من القشعريرة عند القراءة ما يجد. قال: فجئته فالتمسته يوما فلم أجده، فانتظرته حتى جاء من عند عمر، فقال لي: لو رأيت رجلا قال لعمر كذا وكذا وهو يومئذ بمنى آخر حجة حجها عمر، قال لو قد مات عمر بايعت فلانا، فقال عمر إني لقائم العشية في الناس فأحذرهم هؤلاء الذين يغصبون هؤلاء الأئمة أمرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل ذلك يومك هذا، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك، فأخشى إن قلت فيهم اليوم مقالة أن يطيروا بها ولا يضعوها على مواضعها، أمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم وتقول ما قلت متمكنا فيعُوا مقالتك ولا يضعوها إلا على مواضعها، فقال عمر: والله لئن قدمت المدينة صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، وجاء يوم الجمعة فهجرت عمي لما أخبرني ابن عوف، فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير فجلس إلى جانب المنبر، فقلت لسعيد بن زيد وعمر مقبل: أما والله ليقولن أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقلها أحد قبله، فقال سعيد: وما عسى أن يقول؟ فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذن، فلما سكت قام عمر فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فلا أحل لأحد أن يكذب علي. إن الله عز وجل بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورجمنا بعده، وأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله عز وجل، فتترك فريضة أنزلها الله عز وجل، فإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ثم إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تطروني كما أطري ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» ثم إنه بلغني أن منكم من يقول والله لو قد مات عمر لبايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة فإنها قد كانت فلتة كذلك، إلا أن الله قد وقى شرها وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه قد كان من خبرنا حين توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا وتخلفت الأنصار عنا بأسرها واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فبينا نحن في منزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا برجل ينادي من وراء الجدار: اخرج إلي يا ابن الخطاب، فقلت إليك عني فأنا عنك متشاغل، فقال: قد حدث أمر لابد منك فيه، إن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة فأدركوا من قبل أن يحدثوا أمرا يكون بينكم وبينهم فيه حرب، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار، فانطلقنا نؤمهم ولقينا أبا عبيدة بن الجراح فأخذ بيده أبو بكر ومشى بيني وبينه حتى إذا دنونا منهم لَقِيَنَا رجلان صالحان فذكر لهما ما صنع القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم فإذا هم جميعا في سقيفة بني ساعدة، وإذا بين أظهرهم رجل مزمل فقلت: من هذا؟ فقال: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: هو وجع. فلما جلسنا تكلم خطيب الأنصار فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا. وكنت رويت مقالة أعجبتني أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر، وكنت أدري من أبي بكر بعض الجد. فلما أردت أن أتكلم تكلم أبو بكر وهو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك كلمة أعجبتني في ترويتي إلا تكلم بمثلها أو أفضل منها في بديهته حتى سكت، فتشهد أبو بكر وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، أيها الأنصار، فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش: هم أوسط العرب نسبا ودارا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق إلا أن تتغير نفسي عند الموت، فلما قضى أبو بكر مقاله قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خِفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر أبايعْك فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، فمررنا على سعد بن عبادة فقال قائل من الأنصار قتلتم سعدا. فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعدا فإنه صاحب فتنة وشر، والله ما رأينا فيما حضرنا من أمرنا أمرا كان أقوم من بيعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم قبل أن تكون بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا. فلا يغترن امرؤ أن يقول كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها. ألا وإنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر الحديث.
وقوله فيه إن ابن عباس كان يقرئ ابن عوف، معناه أنه كان يقرأ عليه ليتعلم منه. والقشعريرة: رعدة كانت تأخذه من الوجل والخوف. قال الله عز وجل: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] وقال: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].
وقول عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لا تفعل، بمعنى الرأي يشير به لا بمعنى النهي.
وقوله يا أمير المؤمنين توقير له، وكذلك ينبغي أن يفعل بأئمة العدل.
وقول القائل لو قد مات عمر بايعت فلانا، يريد رجلا لا يستحق الخلافة، ولذلك أنكر عمر قوله ووعد أن يقول مقالة يحذر الناس فيها من الذين يريدون أن يغتصبوا الأئمة أمرهم.
وقوله: لا يغترن امرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة: يقول لا يحدث نفسه أن يفعل مثل ذلك فيتم له فإن هذا لا يكون، لأن الله تعالى إنما وقى شر ذلك وإن كانت فلتة لما بان به أبو بكر من الفضل الذي لا ينازع فيه.
وقوله: تنقطع دونه الأعناق: يقول ليس أحد يرفع رأسه إلى مساواة أبي بكر.
وقوله كان من خيرنا معناه كان خيرنا، ومن صلة، مثل قوله عز وجل: {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ} [القصص: 81]، {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [هود: 20].
وقوله: إن الله بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، يريد قوله في حديث الموطأ: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله عز وجل فتترك فريضة أنزلها الله عز وجل، فإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف». وقد اختلف في قوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وقيل: كان ذلك قرآنا يتلى على ظاهر قول عمر ثم نسخ خطه وبقي حكمه، فقيل: لم يكن قرآنا وإنما كان وحيا أوحي به إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يتلى على أنه وحي لا على أنه قرآن، وهذا هو الذي نختاره، إذ لو كان قرآنا لم يخل أن يكون محكما أو منسوخا، ولا يصح أن يكون محكما إذ لو كان محكما لثبت بين اللوحين ولما صح سقوطه، لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ولا يصح أن يكون منسوخا لوجهين: أحدهما وجوب العمل به، والثاني إرادة عمر أن يكتبه في المصحف، إذ يبعد أن يريد أن يكتب في القرآن ما ليس من القرآن. فإذا بطل أن يكون محكما وأن يكون منسوخا بطل أن يكون قرآنا، فإنما كان وحيا يتلى أنزله الله تعالى على نبيه عَلَيْهِ السَّلَامُ بيانا لمجمل كتابه، فهم عمر بن الخطاب أن يكتبه في عرض المصحف على أنه وحي وبيان لمجمل كتاب الله لا على أنه قرآن، ثم لم يفعل لما خشي أن يظنه الجاهل قرآنا. وإنما قال عمر ابن الخطاب: الرجم في كتاب الله عز وجل حق، من أجل أن الوحي قد بين أن مراد الله عز وجل بقوله: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} [النور: 8] هو الرجم، وأن الحكم الذي يتعلق بالمحصنات في قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4] هو الرجم، والله أعلم. وقد قيل إنه كان يقرأ وحيا فظنه عمر قرآنا، قاله إسماعيل القاضي، وهو بعيد، لأن عمر لا يصح عليه أن يظن قرآنا ما ليس بقرآن، لأن من علامات القرآن أنه محفوظ معلوم لا يصح الشك فيه ولا الارتياب في شيء منه.
وفي هذا الحديث وجوه من الفقه، منها:
أن الإمامة تنعقد وتتم برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها الرجل على صفة ما يجب أن يكون عليه الأئمة، ويجب أن يحضر العقد له نفر من المسلمين، وقد قيل إن أقل ما يجب أن يحضره أربعة نفر سوى العاقد والمعقود له قياسا على فعل عمر في الشورى، وهذا لا يلزم، لأن عمر لم يقصد بجعلها شورى في تحديد عدد الحاضرين للعقد، وإنما جعلها فيهم دون غيرهم لأنهم أفاضل الأمة، وقد أخبر بذلك عمر عن نفسه: أما إنه لو حضرني سالم مولى أبي حذيفة لرأيت أني قد أصبت الرأي وما تداخلني فيه الشكوك، يريد في أخذ رأيه ومشورته.
وفيه أن الإمامة فرض، وقد قال بعض الناس إنها سنة، واحتج من ذهب إلى ذلك بأن الأمة بقيت بلا خليفة من وقت وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أن استخلف أبو بكر، ومن وقت موت عثمان إلى أن بويع لعلي. قال: ولم يكن الله سبحانه ليجمع الأمة على تضييع فريضة. واحتج من رآها فريضة بأن الفروض تقام بها وبأنه أمر لا يوجد السبيل إلى تركه، قال: وليس إن بقي الناس وقتا من النهار بلا خليفة تعطلت الفروض، إذ لم يضع فيه فرض ولا حق لم يدرك في غيره.
وفيه دليل أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يعهد، ولو عهد لاحتج به أبو بكر.
وفيه النصيحة لأهل الإسلام والقيام بالحق في العسر واليسر.
وفيه إقرار عمر لأبي بكر الصديق بأنه أفضل منه وأقوى على الأمر منه.
وقوله: نزونا على سعد، يعني الوثوب لتبادرهم إلى بيعة أبي بكر. وقوله: قتل الله سعدا فإنه رأس فتنة، يعني أنه لو تم ما اجتمعت الأنصار إليه كانت فتنة، لأن العرب لا تقر بذلك لهم. وقوله قتل الله سعدا ليس على معنى الدعاء، وإنما هو بمعنى الذم والإنكار لفعله، وربما قالت العرب ذلك في المدح للرجل عند الإعجاب بفعله، يقولون: أجاد قاتله الله، وكان سعد سيد الخزرج وأحد النقباء، شهد أحدا وما بعدها. وقد روي من الطرق الصحاح أنه لم يقل أحد منهم لأحد إلا خيرا، وإن بويع لخليفة بعد آخر قتل الآخر، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب قال: إذا بويع خليفة فإن بويع آخر فليقتل الثاني. وإنما قال ذلك لأن بيعة الثاني تجر إلى فساد.
وقد أباح الله القتل بالفساد بقوله: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، وقال: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] الآية. وفي الحديث أيضا غير ما وجه، من ذلك فضل التهجير إلى الجمعة، وأن المؤذن يؤذن الجمعة بعد جلوس الإمام على المنبر، وأن يمين المنبر ما بين المنبر والمحراب وهو أشرف أماكن المسجد، وبالله التوفيق.